10.سبحانك ربي وبحمدك

*

سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا علي عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفرلي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وأستغفرك فاطر السماوات والأرض أنت وليِّ في الدنيا والآحرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين

Translate

الثلاثاء، 29 أبريل 2025

تعريف الفقه:

 

سلسلة

دروس في أصول الفقه

(الدرس الأول)

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد أن لا اله ألا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}
{ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا}
{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا}
أما بعد
فإن اصدق الحديث كتاب الله , وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم , وشر الأمور محدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار
ثم أما بعد
فهذه مذكرة في علم أصول الفقه جمعتها من كتب أهل العلم للأخوة الدارسين بالمستوى الثالث بالدورة العلمية الشرعية رقم 27 والتي ينظمها مكتب الدعوة وتوعية الجاليات بحي الربوة بمدينة الرياض لعام 27/1428هـ والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم .

أصول الفقه

تعريف أصول الفقه : ــــ
نظر علماء الأصول إلى (أصول الفقه) بنظرتين لأنها مركب كلمتين كلمة (أصول)  مضاف وكلمة (فقه) مضاف إليه وعلى ضوء هاذين النظرتين يمكن تعريف أصول الفقه .
*النظرة الأولى : نظرة باعتباره مفرديه ( أي باعتبار كلمة أصول وكلمة فقه)
تعريف الأصل :

الأصول جمع مفردها أصل .

وهو في اللغة ما يبنى عليه غيره مثل أصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه أغصانها قال الله تعالى { ألم ترى كيف ضرب الله مثلًا كلمةً طيبةً كشجرة طيبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء}سورة ‏ ‏إبراهيم‏: الآية‏24‏

والأصل في الاصطلاح له  عدد من المعاني منها     :

1 ـ الدليل : فإنك تقول أصل تحريم الزنا {ولا تقربوا الزنا} سورة الإسراء :الآية 32.

أي دليل تحريم الزنا هذه الآية .

2 ـ الراجح : فإنهم يقولون : الأصل في الكلام الحقيقة ، دون المجاز ، أي الراجح حمل الكلام على حقيقته .

3 ـ المقيس عليه : أي الذي يقاس عليه غيره ، فيقول : الخمر أصل النبيذ ، فالخمر :مقيس عليه و النبيذ : مقيس .

4 ـ القاعدة المستمرة : كقولهم ( أكل الميتة على خلاف الأصل) ، أي :خلاف القاعدة المستمرة من تحريم أكلها .  

تعريف الفقه:

لغة الفهم  ومنه قوله تعالى{ واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي ‏}سورة ‏طـه : الآية‏27‏‏.‏ فمعني يفقهوا أي يفهموا .
وقال تعالى {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا ًمما تقول} سورة هود : الآية 91 . وقوله تعالى {حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً} سورة الكهف : الأية93

وقوله تعالى {فمال هؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً} سورة النساء : الآية 78
وقوله تعالى { وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} سورة الإسراء : الآية 44
وما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم{اللهم فقهه في الدين} رواه البخاري .

والفقه في الاصطلاح : معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية .
فالمراد (بالمعرفة) هي العلم والظن  لان إدراك الأشياء إما أن تكون : ــــ
1) العلم : وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.

2) الظن : وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح .
3) الشك : وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو .
4) الوهم : وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح
5) الجهل البسيط : وهو عدم الإدراك بالكلية .
6) الجهل المركب : هو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه في الواقع
والمراد (بالأحكام الشرعية) هي الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم .

 

و الأحكام ثلاثة أنواع : 
1) عقليه : مثل الواحد نصف الاثنين ، وكمعرفة أن الكل أكبر من الجزء فهذا الحكم غير داخل في علم الفقه لأنه حكم عقلي

2) حسية أو عادية : مثل النار محرقة كمعرفة نزول الطل في الليلة الشاتية إذا كان الجو صحوًا‏.‏

3) شرعية : مثل الصلاة واجبة .
والأحكام الشرعية هى ما تتوقف معرفتها من الشرع ولا تدرك إلا عن طريقه , وتقييد الأحكام بكونها شرعية يخرج الغير شرعية كالأحكام الحسية و العقلية .
والمراد (بالعملية)  ما يصدر عن المكلف من الأفعال , لان الأحكام الشرعية بحسب متعلقاتها تنقسم إلى :-
1) الاعتيادية : وهى ما يتعلق باعتقاد الناس وتسمى أحكام اعتقاديه مثل الإيمان بالله وملائكته .
2) العملية : وهى ما يتعلق بأفعال الناس التي تصدر عنهم وتسمى أحكاما عملية مثل وجوب الصلاة
3) الأخلاقية : وهى ما تتعلق بتهذيب النفوس وتزكيتها وتسمى الأحكام الأخلاقية مثل وجوب الصدق وتحريم الكذب .
وتقييد الأحكام الشرعية بالعملية يخرج غير العملية وهى الاعتيادية والأخلاقية .
والمراد  (بأدلتها التفصيلية) أي أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية , فيخرج به أصول الفقه لأن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية .

*النظرة الثانية: نظرة باعتبار كونه لقباً لهذا الفن المعين فعرفه(الأصوليين)

بعدة تعريفات نذكر منها ما يأتي:-

 

التعريف الأول :

هي القواعد التي يتوصل بها المجتهد إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية .
شرح التعريف :
المراد (بالقواعد) : جمع مفرده قاعدة و القاعدة عبارة عن قضية كلية تشمل جزئيات كثيرة كقاعدة ( الأمر للوجوب) و( النهى للتحريم) وغيرها من القواعد . وبأخذ القاعدة في التعريف يخرج الأمور الجزئية .
المراد (التي يتوصل بها المجتهد) : أي أن المجتهد يستطيع بواسطة هذه القواعد الأصولية أن يأخذ الأحكام الفقهية من الدليل التفصيلي .
المراد (بالأحكام): جمع مفرده حكم والحكم إثبات أمر لاخر أو نفيه عنه , والأحكام بحسب طريق إثباتها ثلاثة أنواع .
النوع الأول : عقلي مثل الواحد نصف الاثنين .
النوع الثاني : حسي مثل النار محرقة.
النوع الثالث : شرعي مثل الصلاة واجبة.
المراد(بالشرعية) : هى ما تتوقف معرفتها على الشرع . وتقييد الأحكام بكونها شرعية يخرج الأحكام الغير شرعية وهى الأحكام العقلية والحسية.
المراد (بالعملية ): ما يصدر عن المكلف من الأفعال , لان الأحكام الشرعية بحسب متعلقاتها تنقسم إلى الاعتقادية والعملية والأخلاقية , وتقييد الأحكام الشرعية بالعملية يخرج غير العملية وهى الاعتقادية والأخلاقية .
المراد (بالأدلة التفصيلية) : هي الأدلة الجزئية , وهى التي يتعلق كل دليل منها بمسألة مخصوصة , ويدل كل واحد منها على حكم معين , كقوله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم }سورة النساء : الآية 23

حيث أنه دليل تفصيلي تعلق بمسألة معينة وهى الزواج بأمهات , وتفيد حكماً معيناً وهو حرمة الزواج بالأم .
التعريف الثاني:

علم يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد .
شرح التعريف : ــــ
فالمراد (بالإجمالية) هي القواعد العامة مثل
مثل قولهم‏:‏ الأمر للوجوب أي أن الأمر إذا كان مجردا عن القرائن فإنه يفيد الوجوب ، فهذه القاعدة : الأمر للوجوب قاعدة إجمالية لأنها لم تشمل أمرا محددا بل هي عامة لكل أمر ، ومثلها قولهم : النهي للتحريم والصحة تقتضي النفوذ، فيخرج به أدلة الفقه التفصيلية فلا تذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل للقاعدة .
والمراد (بكيفية الاستفادة)  أي أن المجتهد يستطيع بواسطة هذه القواعد الأصولية أن يأخذ الحكم .

وبتقييد (الاستفادة منها) يخرج القواعد التي لا يوصل البحث فيها إلى شئ بأن تكون مقصودة لذاتها مثل قاعدة ( العدل أساس الملك) , والقواعد يجب أن تكون شرعية وكونها شرعية تخرج القواعد التي ليست شرعية كقواعد النحو مثلاً .
والمراد (بحال المستفيد)
معرفة حال  المجتهد ، سمي مستفيداً لأنه يستفيد بنفسه الأحكام من أدلتها لبلوغه مرتبة الاجتهاد، فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه‏ .‏
التعريف الثالث :

القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية.

موضوع علم أصول الفقه:

يبحث علم الأصول في أربعة أمور هي:

1 ) الحكم ويشمل مباحث الأحكام التكليفية والوضعية.

2 ) الدليل ويشمل جميع الأدلة، كالقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس وغيرها.

3 ) الاستدلال ويشمل جميع مباحث الألفاظ كالعموم والخصوص ، والحقيقة والمجاز ، والنص والظاهر، والمنطوق والمفهوم، وغيرها.

4 ) المستدل ويشمل مباحث الاجتهاد والتقليد.

الفرق بين علم الفقه وعلم أصول الفقه:

علم الفقه: يبحث في الأدلة التفصيلية  وأفعال المكلفين

وعلم أصول الفقه: يبحث في الأدلة الإجمالية واستنباط الأحكام الشرعية منها

الفرق بين الأصولي والفقيه  :
الأصولي يبحث عن القواعد الكلية , والنظر في الأدلة الإجمالية من حيث دلالتها على الحكم فهو ينظر في كيفيات هذه الأدلة وأحوالها من حيث كونها عامة أو خاصة , مطلقة أو مقيدة , أمراً أو نهياً , ويضع القواعد التي تبين الحكم لكل منها , فيبحث مثلاً في الأوامر فيجد قاعدة كلية وهى (كل أمر إذا تجرد من قرينة يفيد الوجوب) وهكذا النواهي يجد ( كل نهى  إذا تجرد من قرينة  يفيد التحريم ) , ويبحث في العام فيجد أن ( العام يتناول أفراده قطعاً ) .
أما الفقيه فهو يبحث في أدلة الفقه الجزئية ليصل من خلال ذلك إلى معرفة حكم من الأحكام الشرعية العملية .

فإذا ما أراد مثلاً معرفة حكم الصلاة , فإنه يبحث في الأدلة التفصيلية المتعلقة بالصلاة فيجد قول الله تعالى{ وأقيموا الصلاة}سورة البقرة: الآية43 , فينظر في هذا الدليل الجزئي فيجد فيه الأمر بالصلاة .
 أهمية أصول الفقه :  :

1) ضبط أصول الاستدلال وذلك ببيان الأدلة الصحيحة  .
2) التمكن من الحصول على قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أساس سليم.
3) تيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم.
4) معرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء والتماس الأعذار لهم .
5) بيان ضوابط الفتوى وشروط المفتى وآدابه .
6) الوقوف على سماحة الشريعة ويسرها , والابتعاد عن الجمود المترتب على دعوى إغلاق باب الاجتهاد.
 سبب وضع العلماء لعلم أصول الفقه ومن أول من وضعه  :
إن سبب حمل العلماء على إنشاء هذا العلم إنه عندما كثرة الفتوحات الإسلامية واتسعت رقعة الإسلام أدى ذلك إلى اختلاط الأمة العربية بغيرها من الأمم فدخل في اللغة العربية الكثير من المفردات غير العربية فكثر تبعاً لذلك الاشتباه والاحتمال في فهم النصوص , كما أدت كثرة الفتوحات إلى وجود الكثير من الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل والتي لم يرد ما يبين حكمها .
و أول من وضع هذا العلم هو الأمام الشافعي رحمه الله تعالى في أواخر القرن الثاني الهجري .

 

طريقة العلماء في وضع قواعد هذا العلـم  :
الطريقة الأولى : طريقة الأحناف :
 علماء الأحناف رحمهم الله ينظرون في الفروع الفقهية في مذهب الإمام أبي حنيفة ويتتبعونها ثم يضعون القواعد الأصولية على مقتضى فروع مذهبهم ، فهم يعتبرون القواعد مسخرة للفروع ، ولهذا جاءت كتبهم غنية بالفروع الفقهية  .
الطريقة الثانية : طريقة الجمهور :
 جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة ينظرون في أدلة الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة مع استصحاب البراءة الأصلية ، ويضعون الأصول على مقتضى الأدلة ، ولم يراعوا في ذلك مذهب معين بل المؤلف نفسه لم يراعي مذهبه ، وعليه فالفروع مسخرة للقواعد ، ولكنهم لم يتعمقوا في الفروع  .
الطريقة ثالثة : الجمع بين الطريقتين  .

سلسلة دروس في أصول الفقه (الدرس الخامس) مصادر الاستدلال وكل الاحكام الوضهية باطلة

 


سلسلة

دروس في أصول الفقه

(الدرس الخامس)

مصادر الاستدلال

الأدلة المعتبرة شرعاً هي الكتاب , والسنة , والإجماع , والقياس , وهذه الأدلة الأربعة متفقة لا تختلف إذ يوافق بعضها بعضاً ويصدق بعضها بعضاً لأن الجميع حق , والحق لا يتناقض , كما أن جميع هذه الأدلة ترجع إلى الكتاب .
فالكتاب دل على حجية السنة , والكتاب والسنة دلا على حجية الإجماع , وهذه الأدلة الثلاثة دلت على حجية القياس , لذلك مصدر هذه الأدلة هو القرآن .  الأدلة

الأدلة جمع دليل ، والدليل لغة يطلق على ما يستدل به  ،أي : ما يكون به الإرشاد كالعلامات التي توضع على الطريق ، فتسمى دليلاً ، أي : التي يستدل بها على الطريق.

والدليل اصطلاحاً: ما يمكن التوصل بالنظر الصحيح فيه إلى حكم شرعي.
                            الدليل الأول : القرآن الكريم

تعريف القرآن الكريم: هو كلام الله تعالى المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المعجز، المتعبد بتلاوته ، المنقول إلينا نقلاً متواتراً. حقيقة حروفه ومعانيه , ليس كلامه الحروف دون المعانى ولا المعانى دون الحروف , كما قال الله تعالى { وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله }سورة التوبة : الآية 6 .
 تكلم الله به قولاً وأنزله على نبيه وحياً وآمن به المؤمنون حقاً, وهو كتاب الله تعالى الذى جعله آية باهرة,ومعجزة قاهرة , وحجة باقية إلى قيام الساعة , وقد تكفل الله سبحانه وتعالى القرآن من التبديل و التحريف فقال جل شأنه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}سورة  الحجر : الآية 9 .
وقد انعقد الإجماع على أن القرآن نزل على النبى صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام فى اليقظة ولم ينزل منه شى فى المنام, بلفظه ومعناه.كما قال تعالى {نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين }سورة الشعراء: الآيتان 194،193.

والقرآن أنزله الله تعالى ليكون كتاب هداية وإرشاد ، وليكون منهاجاً للأمة، تحكمه في كل شؤونها ، في عقيدتها ، وعبادتها، ومعاملاتها، واقتصادها، وسياستها، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

والقرآن كله نزل باللغة العربية وهذا مما يمتاز به القرآن الكريم عن بقية الكتب السماوية الأخرى من التوراة و الإنجيل وغيرهما .

كما قال الله تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه }سورة إبراهيم : الآية 4. وقوله تعالى { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين } سورة الشعراء: الآيات 192ــــ195.

وقوله تعالى { وكذلك أنزلناه حكمًا عربيا } سورة الرعد: الآية 37 .

وبمقتضى هذه الخاصية فإن ما ترجم من القرآن إلى غير اللغة العربية لا يسمى قرآناً وبالتالي لا يصح الاعتماد عليه في استنباط الأحكام الشرعية سواء كانت الترجمة حرفية أو غير حرفية .
حجيته القرآن الكريم :

القرآن حجة يجب على كل مسلم العمل بما فيه ، لا يخالف في ذلك أحد من المسلمين ، فمن أنكره أو أنكر شيئاً منه فهو كافر بإجماع المسلمين.

إعجازه القرآن الكريم :
القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تحدى به فصحاء العرب وبلغاءهم على أن يأتوا بمثله أو بمثل آية منه ، فما استطاعوا ، ولن يستطيعوا.

تعبدنا الله بتلاوته ، كما تعبدنا بتحكيمه في كل شؤوننا الخاصة والعامة ، فرداً وجماعة ودولة.

حفظه:

لهذا الكتاب منزلة رفيعة ، فقد تكفل الله بحفظه من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل وغير ذلك ، قال تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } سورة  الحجر : الآية 9 . ولقد حاول أعداء الإسلام على مر العصور تحريفه والنقص منه إلى أن جميع محاولاتهم باءت بالفشل ، قال تعالى واصفاً كتابه: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} سورة فصلت : الآية 42 .

القراءة الشاذة: وهي ما جاء منقولاً إلينا نقلاً غير متواتر من القراءات ، كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: ( فصيام ثلاثة ايام متتابعات). فكلمة (متتابعات) لم تنقل نقلاً متواتراً وإنما نقلت نقل آحاد عن ابن مسعود رضي الله عنه فهذه ليست من القرآن الكريم قطعاً ، لأنها لو كانت من لنقلت إلينا نقلاً متواتراً.

والراجح والله أعلم : أنه يحتج بها على ما دلت عليه من الأحكام ، لأن الراوي لها يخبر أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كانت غير قرآن فلا أقل من أن تكون سنة سمعها الصحابي وظن أنها من القرآن ، وهي ليست منه وإنما هي شرح من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم :
لقد ورد وصف القرآن إنه كله محكم فقال تعالى { الر كتابٌ أحكمت آياته }سورة هود :الآية 1.  بمعنى أنه متقن غاية الإتقان في أحكامه وألفاظه ومعانيه , فهو غاية في الفصاحة والأعجاز .
وكما ورد وصفه أنه متشابه قال تعالى {الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا}سورة الزمر : الآية 23 .  بمعنى أن آياته تشبه بعضها بعضاً في الأعجاز والصدق والعدل .
وورد أيضا من أن القرآن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه قال الله تعالى { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هن أم الكتاب وأخر متشابهاتٌ فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب }سورة آل عمران : الآية 7 .

وقد ذهب بعض السلف إلى أن المحكم هو ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد والمتشابه ما احتمل من التأويل أكثر من وجه .

وذهب بعضهم إلى أن المحكم ما اتضح معناه والمتشابه ما لم يتضح معناه وغيرها من الأقوال . ولكن كانت طريقتهم في التعامل مع المحكم والمتشابه متفقه وقالوا الواجب أن يرد المتشابه إلى المحكم ,كما قالوا إن القرآن ليس فيه ما لا معنى له , كما اتفقوا على أن جميع ما في القرآن يفهم معناه ويمكن تدبره وإنه ليس في القرآن مالا يمكن أن يعلم معناه أحد

دلالة القرآن على الأحكام :
للقرآن الكريم جانبان :

الجانب الأول : جانب الثبوت .

والجانب الثاني : جانب الدلالة .
إما من حيث ثبوت القرآن الكريم فقد اتضح مما سبق أنه كله متواتر قطعي الثبوث.  وإما من حيث الدلالة على الأحكام فينقسم إلى قسمين :

1) أن يكون قطعي الدلالة :

ومعنى ذلك أن لا يحتمل اللفظ إلا معنى واحداً فيتعين حمله عليه ومن ذلك :
1) آيات المواريث :
منها قوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولدٌ فإن كان لهن ولدٌ فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولدٌ فإن كان لكم ولدٌ فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجلٌ يورث كلالةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أختٌ فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث }سورة النساء : الآية 12 .
فإن النصف والربع والثمن والثلث و السدس مقادير محدودة لا تحتمل أكثر من معنى واحد ولا مجال فيها للرأي والاجتهاد .
2) آيات الحدود :
منها قوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة }سورة النور: الآية 2 , وقوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا وأولئك هم الفاسقون }سورة النور: الآية 4 .
فإن المائة جلدة والثمانين ومثلهما ليس لها سوى معنى واحد وليس للاجتهاد فيها مجال.

2) أن يكون ظني الدلالة :

ومعنى ذلك أن  يحتمل اللفظ عدة معاني  فلا يتعين حمله على واحداً منها  ومن ذلك :
قول الله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة}سورة النساء :الآية 23.  فإن الإرضاع يحتمل أن يكون المرة الواحدة , ويحتمل المرات المتعددة , ولذلك اختلف الفقهاء في القدر المحرم من الرضاع فدلالة الآية على أن الرضاع مرة واحده محرم دلالة ظنية وليست قطعية .
وقد يكون النص الواحد من القرآن قطعي الدلالة باعتبار وظني باعتبار آخر


ومثال ذلك قوله تعالى { ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين }سورة المائدة : الآية6  . فإن دلالة هذه الآية على أصل المسح قطعية , ودلالتها على القدر المطلوب مسحه من الرأس ظنية , ولذلك اتفق الفقهاء على أن مسح الرأس في الوضوء مطلوب واختلفوا في القدر المطلوب مسحه .

ج9 الي ج11. كتاب : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم المؤلف : عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج}ْ

ج9 الي ج11. ج9.   كتاب : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم المؤلف : عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج     همذان وكانت الغلبة لاصحا...